أحوال الغارقين
لفضيلة الشيخ خالد الراشد
الباب الأول: المقدمة
حديثنا اليوم عن أحوال الغارقين.
وحديثنا ليس عن الغارقين في البحار والأنهار، فهؤلاء – إن ماتوا على الصلاح – كانوا شهداء عند العزيز الغفّار.
لكن حديثنا عن الغارقين في الشهوات والملذّات، يرتوون منها وكأنهم مخلّدون في هذه الحياة، نسوا أن الدنيا دار ممر وامتحان، وأن بعدها جزاء وحساب، ووقفة تشيب لها الولدان أمام خالق الكون وجبار الأرض والسماء.
إنها رسالة إلى التائهين الذين ارتسمت على وجوههم مسحة البؤس والضياع، بسبب إغراقهم في الذنوب والمعاصي التي أعمت قلوبهم، وأنقصت عقولهم، وأزالت عنهم النعم، وأحلّت بهم النقم.
الباب الثاني: حالهم مع الصلاة
ليلهم ونهارهم سواء، يظنون أن السعادة في لذة وشهوة، أو في سفر وسياحة.
لكنهم ينسون أن الصلاة هي عمود الدين، وأنها أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة.
يستيقظ أحدهم قبل الفجر بساعات لموعد سفر أو رحلة، لكنه لا يستطيع أن يستيقظ لصلاة الفجر!
يتكاسل عن الجماعة، ويهجر المسجد، وربما صلى بلا خشوع ولا حضور قلب.
وقد قال النبي ﷺ: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر».
الباب الثالث: حالهم مع اللهو والغناء
أوقاتهم لهو ولعب، وغناء وطرب.
يعرفون أسماء المغنين والمغنيات، ويحفظون كلمات الأغاني، لكنهم لا يعرفون أسماء العشرة المبشّرين بالجنة، ولا يحفظون من القرآن إلا قليلاً.
يرفعون أصوات المعازف في سياراتهم وبيوتهم، ولا تتحرك قلوبهم لسماع القرآن.
وقد قال النبي ﷺ: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِر والحرير والخمر والمعازف».
الباب الرابع: حالهم مع الشهوات
همّهم الأكبر اتباع الشهوات وهتك الأعراض، يطاردون الساذجات ويزينون لهن الفاحشة.
وقد جاء شاب إلى النبي ﷺ يستأذنه في الزنا، فقال له: "أترضاه لأمك؟ أترضاه لأختك؟" حتى قال الشاب: "جعلني الله فداك، والله لا أحب الزنا بعد ذلك".
أما الغارقون فقد أعمى الشيطان قلوبهم، فصاروا يفتخرون بالمعصية، ويجاهرون بالفاحشة.
الباب الخامس: حالهم مع الذنوب والمعاصي
صارت الذنوب لهم عادة ومنهج حياة.
يسمعون المواعظ ولا يتأثرون، يشيّعون الجنائز ولا يعتبرون، يرون الحق بأعينهم ثم يعرضون عنه.
قال الله تعالى:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾.
فلا راحة لهم ولا طمأنينة إلا بالرجوع إلى الله.
الباب السادس: من أخبار الغارقين
قد يتوب بعضهم ويركب سفينة النجاة، فيبدأ رفقاء السوء حربًا عليه، يذكّرونه بماضيه ويسخرون من توبته.
ومنهم من يصر على الضياع حتى تأتيه المنية:
ذكر الشيخ قصة شاب تاب فترة قصيرة، ثم رجع لرفقاء السوء، فشرب الخمر وزنى، فمات على تلك الحال – والعياذ بالله.
الباب السابع: ماذا تصنع الذنوب؟
الذنوب والمعاصي سبب هلاك الأمم السابقة:
أغرق الله قوم نوح.
أهلك عادًا بالريح.
أهلك ثمود بالصيحة.
أغرق فرعون وجنوده في البحر.
خسف بقارون وداره.
قلب قرى قوم لوط فجعل عاليها سافلها.
فما من هلاك إلا وسببه المعاصي والذنوب.
الباب الثامن: من أخبار الناجين
في ثلث الليل الآخر، وفي صلاة القيام، تاب شاب بعد سنوات طويلة من الضياع.
قال: كنت غارقًا في المعاصي، لا أعرف للمسجد طريقًا، حتى سمعت آيات من القرآن فبكيت، وعدت إلى الله.
ومنذ ذلك الحين، صار يحافظ على الصلاة، ويجاهد نفسه على الطاعة، بل صار سببًا في هداية رفقاء له.
الباب التاسع: الدعوة إلى النجاة
أيها الغارق، إلى متى الغفلة؟ أما آن أن تترك الذنوب وتقلع عن المعاصي؟
أما آن أن تطرق باب التوبة وتقول:
«إلهي، عبدك العاصي أتاك تائبًا، فاقبلني في عبادك الصالحين»؟
اعلم أن باب التوبة مفتوح ما لم تبلغ الروح الحلقوم، وأن الله يفرح بتوبة عبده إذا تاب.
فاللهم اجعلنا من التائبين الأوابين، واغفر لنا وللغارقين، واهدهم إلى صراطك المستقيم.