الثبات فى زمن المتغيرات
للشيخ خالد الراشد
باب التقديم والدافع للموضوع
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
بارك الله في الدافع للموضوع، وكثرة ما نرى أولئك الذين يسيرون على الطريق ثم يتفاقطون. منهم من يركب في أول الطريق، ومنهم من يركب في منتصف الطريق، ومنهم من ليس بينه وبين الجنة إلا خطوة. فيثبت الكتاب فيعمل بعمل أهل النار ويدخل النار، والعياذ بالله.
الدافع للموضوع: لابد أن نأخذ بأسباب النجاة حتى نثبت. من وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد دون ذلك فلا ينوم إلا نفسه. من سلك طريق الثبات يجد الكثير، ومن سلك طريق الغواية يجد أسباب الغواية كثيرة. فليعلم كل إنسان أن ربنا أعلم بمن هو أبداً.
باب الابتلاء والتميز عند البلاء
عند البلاء يعرف الرجال، فالكل يدعي في أوقات الرخاء، أما في البلاء فلا يثبت إلا الرجال.
العبودية لله واجبة في الرخاء كما هي واجبة في البلاء، ولله عبودية في السجدة. أما في أوقات الرخاء، كثير من الناس يحققون العبودية، أما في الابتلاء فلا يثبت إلا القليل.
الله يميز الخبيث من الطيب، ويجعل الابتلاء سبباً للثبات للذين صدقوا، والعبرة في كيفية التعامل مع البلاء والإغراءات.
باب المباحات وأثرها على القلب
حتى المباحات قد تؤدي إلى قسوة القلب إذا زادت عن حدها، كما قال ابن القيم: كثرة الطعام، كثرة النوم، كثرة اللهو، كلها مباحات، لكنها إذا تجاوزت الحد أصبحت سبباً لقسوة القلب.
فلا بد من فهم طبيعة الطريق الذي نسير عليه، ومعرفة الحدود بين المباح والممنوع، حتى يثبت المؤمن في دينه.
باب الثبات أمام الإغراءات
النبي ﷺ وأصحابه صبروا أمام أنواع الإغراءات: المال، الملك، النساء، التهديد بالعذاب والتعذيب، وحتى الموت.
مثال: عرضوا على النبي ﷺ ملك فارس وملك العرب ونساء كثيرات، ولم يقبل شيئاً منها.
مثال آخر: أدخلوا عليه فتية جميلة، لكنه لجأ إلى الله ورفض الفتنة.
الثبات على الطريق يحتاج إلى قوة داخلية، واعتماد على الله، ووعي بأن الجزاء الحقيقي ليس في الدنيا بل في الآخرة.
باب الصبر في مواجهة التعذيب
أصحاب النبي ﷺ صبروا على أشد أنواع التعذيب: الحرق بالزيت، التعذيب بالحديد، الحرمان من الطعام والشراب.
مثال: بلال الحبشي صبر على العذاب ولم يتخل عن إيمانه.
المؤمن يثبت لأن القضية أعظم من نفسه، ولأنه يطلب رضا الله والجنة.
الثبات يحتاج إلى معرفة الهدف، وفهم أن الدنيا لا تساوي عند الله شيئاً، وأن كل معاناة في سبيل الله مقدمة لثواب عظيم.
باب أهمية القدوات
الثبات يحتاج إلى قدوات، ومن ثبت بثبات النبي ﷺ وأصحابه، ثبتت أمم وأفراد.
أما إذا تهاوى القدوة، تهاوى الآخرون أيضاً.
القدوة الصالحة تثبت الناس على الطريق الصحيح، وتساعد على مواجهة الإغراءات.
باب مراجعة الحسابات والتخطيط
لا بد من مراجعة الحسابات مع النفس بانتظام، كالتالي:
يومياً إذا أمكن، وإلا أسبوعياً، أو شهرياً، أو سنوياً، أو طوال العمر.
الهدف: تحديد المسار، ومعرفة نقاط القوة والضعف، والاستعداد للثبات أمام الإغراءات والابتلاءات.
المشروع الحقيقي في الحياة هو رضا الله والجنة، لا الدنيا وما فيها.
باب التحضير للعبادات وتأثير التربية
الاستعداد للعبادات، مثل رمضان، يحتاج إلى التربية المسبقة.
المثال: الإمام البخاري رحمه الله كان يقوم كل ليلة من العشر الأواخر بعشرة أجزاء من القرآن.
الهدف: رفع الهمة وزيادة الصبر والثبات، لأن الذين لم يُربوا على ذلك يسقطون أمام الشهوات والإغراءات بسهولة.
باب العبودية لله والفرق بين الحق والباطل
العبودية الحقيقية هي لله وحده، وهي التي تحفظ الإنسان من الانحراف أمام الإغراءات.
الباطل لا يتغير، وأهل الحق يثبتون، مهما كانت الظروف الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية أو الدينية صعبة.
المؤمن الحقيقي لا يتنازل عن دينه، مهما كانت الإغراءات عظيمة، لأن الثمن الحقيقي هو الجنة.
باب الخلاصة والدعاء
الثبات في زمن المتغيرات يحتاج إلى هدف، وقدوة صالحة، ومراجعة مستمرة للنفس.
التربية المبكرة ضرورية لاستعداد النفس لمواجهة الابتلاءات والشهوات.
الصبر على الطاعة والثبات أمام الإغراءات يجلب الجزاء العظيم في الآخرة.
دعاء الخاتمة:
أسأل الله العظيم رب العزة أن يحيينا مسلمين، وأن يثبتنا على دينه، وأن يجمع شملنا على الصلاح، وأن ينصرنا على القوم الكافرين، وأن يجعلنا من الراشدين الموفقين لرضاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله على محمده، وعلى آله وصحبه أجمعين.