الملتقى الجنة
للشيخ خالد الراشد
المقدمة
إن لله عباد أسكنهم دار السلام، فأغلقوا البطون عن مطاعم الحرام، وأغمضوا الجفون عن مناظر الآثام، وقيدوا الجوارح عن فضول الكلام، وطووا الفرش، وقاموا في جوف الظلام يطلبون الحور الحسان من الحي الذي لا ينام.
لقد فارقوا الدنيا على أمل أن يكون ملتقاهم الجنة، سموه وسعوه إلى دار لا يشينها شيء، دار لا يفنى منها ما يزينها، دار لا يزول عزها ولا يزول تمكينها.
قال الله عن تلك الدار وعن ساكنيها:
"إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تضمأ فيها ولا تضهر"
فما أتم نعيمهم، وما أعم تكريمهم، وما أصون حريمهم، وما أكرم كريمهم، وما أضرف حديثهم، منح الخلود.
الوقفة الأولى: آيات وتفسير
ذكر القرآن الكريم الجنة لتثبيت العاملين وتشويق المشتاقين:
وجوه يومئذ ناعمة لسعيها راضية في جنة عالية لا تسمع فيها لاغية.
معنى ناعمة: نعمة وكرامة.
معنى لسعيها راضية: راضية عن ثواب عملها في الدنيا.
جنة عالية: عالية المنازل متفاوتة الدرجات.
لا تسمع فيها لاغية: لا يسمع فيها كلام لغو أو باطل.
وفي وصف النعيم:
فيها عين جارية، فيها سرور مرفوعة، وأكواب موضوعة، ونمارق مصفوفة، وزرابي مبثوثة.
بعض ذلك: ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والياقوت، أكواب لا عري لها، وسائد مصفوفة، وبسط كثير متفرق.
الحق الذي لا تعرفه العيون:
"لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرى في أعين جزاء بما كانوا يعملون."
أدنى وأعلى المنازل:
أدناهم: من يُقال له عند دخول الجنة، له مثل ملك ملك من ملوك الدنيا، ثم عشرة أمثاله، ولكل ما اشتهت نفسه ولذت عينه.
أعلى المنازل: من غرس الله كرامتهم وختم عليها، لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر.
الوقفة الثانية: من أخبار المشتاقين
أبو ريحانة كان قلبه يهيم فيما وصف الله في جناته من لباس وأزواج ولذات.
عندما سمع المؤذن: الله أكبر، استبق الخيرات وكان يسابق غيره إلى مغفرة من الله.
قوله الحسن: "إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة."
مثال رجل من الصالحين قام الليل كله يبكي ويكرر ذكر: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماوات والأرض.
الوقفة الثالثة: المنفق الجنة
سعيد بن الحر كان يصوم النهار ويقوم الليل، يتحمل كل المهمات، ويصبر على القتال والعبادة.
شهد صاحبه صبره واجتهاده، ودعا له بالثبات، ورأى رؤيا فيها الجنة والحور والقصور.
المعنى: ما بذله من جهد في الدنيا لا يُقاس بعظيم ما نال من الجنة.
الوقفة الرابعة: ما أهون ما بذلوا في عظيم ما نالوا
النصيف في الجنة خير من الدنيا وما فيها.
الحور العين: إذا مشت مشى حولها سبعون ألف وصيف، وهي تنادي على أهل الحسبة.
الإنسان الصالح في الجنة أفضل من الحور العين.
أمثلة: إذا ضحكت في وجه زوجها أضاءت الجنة، وإذا انتقلت من قصر إلى قصر كالشمس متنقلة، وإذا خاصرته المعانقة فيها لذة عظيمة.
الوقفة الخامسة: الطريق إلى الجنة
النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أهل الجنة الجنة ينادي المنادي: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً..."
وصف النعيم الأبدي: حياة بلا موت، شُبُوب بلا هرم، نعم متواصلة، وفاكهة وخضرة وحور.
الطريق: الجد والاجتهاد في الطاعات، صبر على الأذى، وصدق العمل.